خمسة عقود في الصحافة العربية، وأبٌ علّم ابنه أن المهنة قبل المنبر. الشيخ ميديا ليست انقطاعاً عن تلك الحكاية؛ هي امتدادها على بنية تحتية جديدة.

قبل خمسين عاماً تقريباً، جلس شابٌّ اسمه سمير الشيخ في أبوظبي خلف ورقة وقلم، وفي صدره — كما يقول — «نارٌ كبيرة لرواية الحكاية». تلك النار هي ما لم يتغيّر. كلّ ما تغيّر بعدها هو الوسيلة.

هذه المقالة عن خيطٍ واحد؛ روح الإعلام لم تتبدّل، تبدّل المنبر فقط. الشيخ ميديا هي الدليل على ذلك.

وأقول هذا وأنا أعلم كم تبدو الجملة بسيطة. لكنّ ورائها ثلاث قصص متشابكة. قصّة أبٍ بنى أخلاقاً مهنية صمدت أمام كلّ تحوّل في الوسيط. وقصّة ابنٍ ورثها لا بالكتاب ولا بالوصية، بل بالمرافقة. وقصّة مختبرٍ رقميّ يحاول اليوم أن يحمل تلك الأخلاق إلى زمنٍ لا يعرف الورق.

البداية

بدأ والدي مسيرته في منتصف السبعينيات في وزارة الصحّة بأبوظبي. لم تكن هناك غرف أخبار لامعة ولا تلفزيونات حيّة على مدار الساعة؛ كان هناك ورق، وقلم، ورجلٌ يؤمن أنّ في كلّ ملفٍّ حكاية تستحقّ أن تُروى بصدق.

في أواخر السبعينيات انتقل إلى الشارقة. عمل في صحيفة «الأيام» ومجلّتها، ثم انتقل إلى صحيفة «الخليج». ومن هناك بدأ اسمه يكبر بهدوء، كما تكبر الأسماء التي لا تطلب الضوء. لم يكن من الصحفيين الذين يبحثون عن الكاميرا؛ كان من الذين تبحث عنهم الكاميرا فلا تجدهم، لأنّهم منهمكون في النصّ.

في أواخر التسعينيات، أصبح مستشاراً إعلامياً ومستشاراً لمدير الجامعة ومجلس الأمناء في جامعة الشارقة. وهنا تكشّفت الطبقة الأعمق من شخصيّته؛ كان من النوع الذي يقصده العمداء أنفسهم لطلب المشورة. أحدهم وصفه ذات مرّة بـ«الجامعة المتنقّلة»؛ رجلٌ يُعلِّم كلّ من جاء إليه عطشاناً للمعرفة، دون أن يسأله من أنت ومن أين أتيت.

كتب الكتب، وكتب الخطابات لمؤسّسةٍ بأكملها — من أعلى الهرم إلى أبعد الزوايا. وقبل عامين تقاعد، بعد ما يقارب خمسة عقود في المهنة. لكنّ النار التي جلس بها أمام أوّل ورقة في أبوظبي، لم تنطفئ. هي اليوم في مكتبه، وفي مكتبتي، وفي طريقة كتابتي لهذه الجملة.

الإرث لا يُورَّث بالنصّ

لم يجلس أبي يوماً ليُلقّنني المهنة. ما حدث أعمق من التلقين؛ كان يأخذني معه. منذ كنت صغيراً، إلى المؤتمرات الصحفية وإلى لقاءات أهل المهنة. لم أكن أفهم كلّ ما يُقال؛ لكنّي كنت أرى. كيف يُصغي الصحفيّ الجيّد. متى يضغط في السؤال، ومتى يترك الصمت يعمل بدلاً منه. كيف يقرأ الناسَ قبل أن يقرأ الملفّ. كيف يصل إلى الحقيقة دون أن يحرج صاحبها.

هذا لا يُكتب في كتاب. يُلتقَط بالمرافقة.

كنت دائماً خلف الميكروفون، منذ أيام المدرسة. شغفي الأوّل أن أحكي، وأن أُعلِّم من يستمع. في الجامعة الأمريكية بالشارقة شاركتُ في تأسيس إذاعة الجامعة، أواخر التسعينيات وبدايات الألفية. وقدّمت بعدها فعاليّات كثيرة، بأشكال مختلفة. ثمّ دخلت الإذاعة عملاً محترفاً عام ٢٠٠٣، وقدّمت برامج تلفزيونية على أكثر من قناة.

وثمّة خيطٌ آخر، ظلّ في الظلّ طويلاً، كان الرقمي. منذ عام ١٩٩٨، كنت أبني مواقع إلكترونية بالعربية. في وقتٍ لم يكن فيه في الإمارات إلّا قلّة تفعل ذلك، وعلى المستوى العالميّ مجموعةٌ صغيرة جداً. لم أتوقّف عن البناء الرقمي يوماً منذ تلك السنة. كنت أؤمن بأنّ هذا الفضاء سيكون مستقبل الإعلام، قبل أن يؤمن به أغلب من حولي. وحين أُغلق ملفّ الإعلام التقليدي بالنسبة لي مطلع هذا العام، لم يكن قراراً صعباً؛ كان اعترافاً متأخّراً بما هو واقع منذ سنوات. الشيخ ميديا كانت مشروعاً جانبيّاً طويلاً، وأصبحت اليوم الواقع كلّه.

ما احتفظنا به

حين انتقلنا — أبي في تقاعده الكريم، وأنا في مختبري — إلى هذا الفضاء، احتفظنا بثلاثة أشياء، نعتبرها جوهر المهنة لا قشرتها.

  • النظر البعيد. الصحافة الجيّدة لا تُكتب للأسبوع، بل للقارئ الذي سيصل إليها بعد عام أو عامين. هذا ما تعلّمته من أبي قبل أن أعرف معنى «تحسين محرّكات البحث». الفكرة نفسها، بمفرداتٍ مختلفة.
  • الحكم التحريري. الذكاء الاصطناعي اليوم أداةٌ نافعة، نستخدمها في المختبر يوميّاً. لكنّه لا يصلح أن يُقرِّر بدلاً منّا؛ هل هذه الحكاية صحيحة؟ هل تخدم القارئ أم تخدمنا؟ هل سنرتاح لها بعد خمس سنوات؟ هذا قرارٌ بشريّ، يبقى بشريّاً.
  • العربية أوّلاً. لا نُترجم إلى العربية؛ نكتب بها. منذ مواقعي الأولى عام ١٩٩٨ وحتى اليوم، القاعدة واحدة. القارئ العربيّ يعرف الفرق بين نصٍّ كُتب له ونصٍّ نُقل إليه. لا نخدع قارئنا، ولا نخدع أنفسنا.

ما تركناه

وفي المقابل، ثمّة أشياء ورثناها من تقاليد الصحافة، ولم نأخذها معنا. ليس لأنّها كانت سيّئة في زمنها، بل لأنّ زمنها انتهى.

  • الهرم البطيء. غرفة الأخبار القديمة كانت تعمل بتسلسلٍ ضيّق؛ قرارٌ يصعد ويهبط بين طوابق. المختبر يعمل أفقيّاً، أسرع، باستقلاليةٍ أوسع في كلّ مرحلة. لا أقول إنّ القديم كان خطأً؛ أقول إنّه لم يَعُد ممكناً.
  • افتراض أنّ النشر سلطة. في زمن أبي، كنت تنشر فيقرأ الناس لأنّهم لا يجدون غيرك. في زماننا، عليك أن تستحقّ القراءة في كلّ سطر. الجمهور لم يَعُد أسيراً؛ هذا أعدل ما حدث للمهنة.
  • الاعتماد على المنصّات. نحن نملك قنواتنا. لا نقبل أن نكون مستأجرين على منصّةٍ يمكن أن تُغيِّر قواعدها بين عشيّة وضحاها. هذا ما يجعلنا أحراراً في القرار.

الإرث ليس ماضياً

كلمة «إرث» في الإعلام تُستخدم عادةً بطريقتين؛ إمّا كعلامةٍ تتّكئ على ماضٍ بعيد، أو كقيدٍ يمنع المؤسّسة من التحرّك. الاثنتان لا تعنياني.

الإرث الذي ورثته من أبي ليس ماضياً أحمله، بل مجموعةٌ من الاختبارات أعرض عليها قراراتي قبل أن أتّخذها. هل هذا أمينٌ لقارئنا؟ هل يخدمه أم يخدمنا؟ هل سيبقى صالحاً بعد خمس سنوات؟ هذه أسئلةٌ لم آتِ بها من ورشةِ قيمٍ ولا من وثيقةٍ مؤسّسية. أتت من خمسين عاماً من رجلٍ كان يجلس في غرفته، يكتب ويُعيد ويحذف، حتى يصل إلى الجملة الصادقة.

المختبر هو البنية التحتية. الإرث هو الأخلاق المهنية.

إلى أين من هنا

نحن في بداية شيء، لا في منتصفه. الإعلام العربيّ الرقميّ يُعاد بناؤه أمامنا، بسرعةٍ تفوق قدرة كثير من المؤسّسات على المتابعة. والشركات التي ستبقى ذات معنى بعد عقد، هي تلك التي تنقل حكماً تحريريّاً حقيقيّاً إلى الأدوات الجديدة؛ لا تلك التي تختبئ خلف الأدوات لتتجاوز الأسئلة الصعبة.

قبل خمسين عاماً، جلس أبي خلف أوّل ورقة في أبوظبي، وفي صدره نارٌ كبيرة لرواية الحكاية. اليوم أجلس أنا خلف شاشة، في زمنٍ يقرأ فيه الإنسان والآلة معاً. الأدوات اختلفت، والمنابر اختلفت، والقرّاء اختلفوا. لكنّ النار هي هي.

روح الإعلام لم تتغيّر. تغيّرت الوسيلة وحدها. ونحن، أبي وأنا، على الصفحة نفسها في هذا الفهم.

والباقي تفاصيل تنفيذ.