في اليوم العالمي لحرية الصحافة، نقرأ الإعلام الرقمي العربي من زاوية مختلفة: الاقتصاد والمنصّات وملكية التوزيع — وما يعنيه ذلك للصحافة المستقلّة. نظرتنا إلى الواقع ومقترحاتنا للطريق إلى الأمام.

في الثالث من مايو من كل عام، يحتفل العالم باليوم العالمي لحرية الصحافة. نختار في هذه المناسبة أن نقرأ المشهد الإعلامي العربي من زاوية يُغفلها كثيرون: زاوية الاقتصاد والمنصّات وملكية التوزيع. فالصحافة العربية تخوض معركة أهدأ صوتاً وأعمق أثراً وأكثر إلحاحاً على المدى البعيد — معركة من يملك المنبر ومن يملك الجمهور.

نحاول في هذه المقالة أن نقرأ الواقع كما هو، ونقترح مساراً عملياً للأمام، بعيداً عن لغة الشكوى ومن دون انحياز لطرف على حساب آخر.

ثلاثة تحوّلات تعيد تشكيل الإعلام العربي

التحوّل الأول: تراجع المطبوع. الصحف الورقية في معظم العواصم العربية لم تعد كما كانت قبل عقد من الزمن. باتت كثير من الصحف تُقلّص توزيعها الورقي أو تتحوّل بالكامل إلى النشر الرقمي — وهو اتجاه عالمي لا تشذّ عنه الأسواق العربية. هذا ليس بالضرورة خبراً سيئاً؛ فالقارئ العربي لم يهجر القراءة، بل غيّر مكانها فقط.

التحوّل الثاني: المنصّات الاجتماعية أصبحت غرفة الأخبار. يبدو لنا أن الجزء الأكبر من القارئ العربي اليوم يصل إلى الخبر عبر تويتر (إكس) وإنستغرام وتيك توك ويوتيوب، قبل أن يصل إليه عبر موقع المؤسسة الإعلامية نفسها — إن وصل إليها أصلاً. هذا يعني أن المنصّة، لا المحرّر، باتت تقرّر ما يصل وما لا يصل.

التحوّل الثالث: ظهور اقتصاد المُنشئين باللغة العربية. البودكاست العربي ينمو، وقنوات يوتيوب الجادّة تجد جمهورها، والنشرات البريدية المتخصّصة بدأت تشقّ طريقها. صانع المحتوى الفرد، الذي يكتب أو يسجّل من غرفته، صار في بعض الحالات أكثر تأثيراً من مؤسسات بميزانيات ضخمة. وتشير بيانات YouGov لعام 2024 إلى أن 67% من البالغين السعوديين الذين يستمعون إلى البودكاست يخصّصون له ساعة أو أكثر أسبوعياً، مما يضع المملكة في المرتبة الثانية عالمياً والأولى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

التحدّي الحقيقي اقتصادي، لا سياسي

هنا نقول رأياً صريحاً: التحدّي الأكبر أمام الصحافة الرقمية العربية المستقلّة اليوم ليس الرقابة، بل الاقتصاد.

أسعار الإعلانات الرقمية في الأسواق العربية أدنى بكثير من نظيراتها في الأسواق الغربية، رغم أن كلفة الإنتاج الصحفي الجيّد متقاربة. وتشير بيانات IAB MENA إلى أن حجم الإعلانات الرقمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ككل لا يمثّل سوى نحو 1% من الإنفاق الإعلاني الرقمي العالمي. الاشتراكات المدفوعة باللغة العربية لا تزال في بداياتها؛ القارئ العربي لم يعتد بعد على الدفع مقابل المحتوى المكتوب، وإن بدأت بعض التجارب المحدودة تُبشّر بإمكان تغيّر هذه العادة.

النتيجة، كما نراها، أن معظم الصحافة العربية الجيّدة اليوم تقوم على واحد من ثلاثة: ١. مشروع جانبي يموّله صاحبه من عمل آخر. ٢. تمويل خارجي من مؤسسات أو منظمات غير ربحية. ٣. ذراع إعلامية لجهة لها مصلحة في وجود المنبر.

وكلّ نموذج من هذه النماذج له حدوده. والوصول إلى نموذج رابع — صحافة عربية مستقلّة مستدامة اقتصادياً بذاتها — هو السؤال المفتوح الذي لم يُجَب عليه بعد إجابة شافية.

فخّ الاعتماد على المنصّات

ثمة مخاطرة لا يلتفت إليها كثيرون؛ وهي أن الناشر العربي الذي يبني جمهوره بالكامل على منصّة واحدة، يضع مصيره في يد خوارزمية لا يتحكّم بها ولا يفهم منطقها بالضرورة.

تغيير بسيط في طريقة عرض المحتوى على فيسبوك أو إكس قد يخفض وصول صفحة إلى نصف ما كانت عليه بين ليلة وضحاها. وقد رأينا هذا يحدث مراراً مع ناشرين عرب كثيرين. وتشير بيانات Chartbeat إلى أن إحالات فيسبوك لمواقع الأخبار انخفضت بأكثر من النصف بين عامَي 2018 و2024 (Nieman Lab). حين يحصل ذلك، إن لم يكن لدى الناشر قناة موازية — موقع إلكتروني، قائمة بريدية، خلاصة RSS — فإنه يفقد سنوات من البناء في أسابيع.

في رأينا أن امتلاك قنوات التوزيع، لا الاكتفاء باستئجارها من المنصّات، هو الفارق بين مشروع إعلامي قابل للحياة ومشروع مرهون بقرار شركة في وادي السيليكون.

الذكاء الاصطناعي: سيف ذو حدّين

لا يمكن الحديث عن مستقبل الإعلام الرقمي اليوم دون ذكر الذكاء الاصطناعي. وموقفنا منه عملي لا حماسي: هو أداة، تنفع من يحسن استخدامها، وتضرّ من يتّكئ عليها بديلاً عن التفكير.

من جهة، يتيح الذكاء الاصطناعي للمُنشئ المستقل أن يفعل ما كان يحتاج فريقاً كاملاً لإنجازه: تحرير الصوت، توليد الصور التوضيحية، ترجمة المواد، تلخيص الأبحاث الطويلة. هذه مكاسب حقيقية للناشر الصغير.

من جهة أخرى، تُغرَق المنصّات اليوم بمحتوى عربي ركيك، مولّد آلياً، خالٍ من التحرير والمراجعة. وهذا يضرّ بثقة القارئ في النصّ المكتوب عموماً، ويرفع من قيمة المحتوى الإنساني المحرَّر بعناية، لمن يحسن تقديمه.

ليس سوقاً عربياً واحداً

من الأخطاء الشائعة الحديث عن «السوق الإعلامي العربي» وكأنه كتلة واحدة. الواقع أن المشهد في الخليج يختلف عن المشهد في المغرب العربي، ويختلف كلاهما عن المشهد في بلاد الشام. تختلف القدرة الشرائية، وتختلف عادات القراءة، وتختلف اللهجات المؤثّرة في المحتوى الصوتي والمرئي، وتختلف المنصّات الأكثر استخداماً.

أيّ مشروع إعلامي رقمي ناضج، في رأينا، ينبغي أن يبدأ بسؤال: لأي قارئ عربي تحديداً نكتب؟ لا أن يفترض جمهوراً عربياً عاماً ومتجانساً، فهذا الجمهور لا وجود له فعلياً.

الطريق إلى الأمام

ما الذي يمكن فعله، إذاً؟ نقترح أربعة مسارات نراها عملية:

١. بناء منصّات مملوكة. الموقع الإلكتروني، والقائمة البريدية، وخلاصة RSS — هذه الثلاثة لا تُستبدل بمنشور على منصّة. هي البنية التي يبقى الناشر فوقها حتى لو تغيّرت كل المنصّات حوله.

٢. تنويع قنوات التوزيع. لا منصّة واحدة، بل حضور مدروس على المنصّات التي يوجد عليها قارئك فعلاً، مع توجيهه دائماً نحو القناة المملوكة.

٣. توظيف الذكاء الاصطناعي للتسريع، لا للاستبدال. اجعل الأداة تخدم المحرّر البشري، لا أن تحلّ مكانه. المراجعة الإنسانية، والحكم التحريري، والذوق اللغوي — هذه ما تزال خارج قدرة الآلة، وهي ما يميّز المحتوى الجيّد.

٤. الاستثمار في البنية التحتية الرقمية العربية. أدوات نشر تدعم العربية احتراماً، وقوالب تصميم تُحسن اتجاه النص، وبيانات منظّمة تفهمها محرّكات البحث. كلّ تحسين هنا يرفع سقف ما يمكن للناشر العربي أن يبنيه.

خلاصة

اليوم العالمي لحرية الصحافة مناسبة للتفكير، لا للشكوى. وحرية الصحافة في عصر المنصّات لا تُقاس فقط بما يُسمح بنشره، بل أيضاً بمن يملك القناة التي يصل عبرها النشر إلى القارئ.

في رأينا أن مستقبل الإعلام الرقمي العربي يُبنى من ثلاث طبقات: محتوى محرَّر بعناية، وقنوات توزيع مملوكة، ونموذج اقتصادي صادق مع نفسه. ومن دون هذه الطبقات الثلاث مجتمعةً، تبقى أيّ صحافة عربية مستقلّة، مهما كانت نواياها طيّبة، رهينة لمن يدفع أو لمن يوزّع.

نحن في «الشيخ ميديا» ننتمي إلى هذه القناعة عملاً، لا قولاً: نبني على تقنيات الويب المفتوحة، وننشر بالعربية والإنجليزية معاً بوصفهما لغتين أصليتين لا ترجمتين، ونستعين بالذكاء الاصطناعي ليسرّع عملنا لا ليحلّ محلّ الحكم التحريري. هذا، في تقديرنا، ما يمكن أن يفعله ناشر عربي صغير في زمن المنصّات الكبيرة.